عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف

433

إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت

يضرّه فيما يقولون ، وإنّما ينتفع به الّذي يألفه . وحيثما يجري ذلك الماء . . يكون الجوّ رديئا موبوءا ، يغلب على أهله الضعف وانتفاخ البطون وقصر الأعمار ، وقلّ من يبيت به ليلتين من غير أهله . . إلّا أصابته الحمّى ، ثمّ منهم من يسلم ، ومنهم من يذهب لما به . وأهل النّخل به من غيره يبادرون بجذّ خريفهم وتحميله ، تفاديا عن البيات ؛ خوفا من أمّ ملدم . ومن أخبار العوابثة الظّريفة : أنّ بعضهم أخفرت ذمّته ، فلم يقدر على جلاء العار وغسله عن وجهه ، وكان بينهم شاعر من الحاكة ، لا يشهد زفافا ولا غيره من احتفالات الأفراح . . إلّا غمزة بشيء من الكلام ، حتّى لقد توعّدوه بقطع لسانه إن بقي يعيّره ، ولكنّه لم يصبر ؛ ففي احتفال بفرح عندهم قال : لا الحول حولي ولا لي من قدا الحول حول * لو شفت غربان سودا قلت ذولاك عول ومعناها : إنّني لا أقدر على تعيير صاحب الوجه الأسود ، بل أقول : إنّه أبيض . فأعادوا عليه الوعيد والتّهديد ، وكادوا يسطون به ، ولكنّه لم يصبر ، فعاد مرّة أخرى يقول في احتفال : واللّه لا ثوّر النّائم إلمّا المقيل * وان لا كفت فوقه الشّقّه طرحنا المكيل وأهل بلادنا يعرفون مغزى هذا الكلام . . فلا حاجة إلى الشّرح . فلم يكن من العوابثة إلّا أن عيّروا صاحبهم وكان مثريا ، فحمل ولده على ركوب اللّيل ، واستأجر معه جماعة من أهل النّجدة ، فذهبوا إلى مكان المطلوب ، وكان آمنا ؛ لبعدهم ، ولما يعرفه من حال طالبه ، وأنه كما قال جرير [ في « ديوانه » 272 من الكامل ] : زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا * أبشر بطول سلامة يا مربع فلم يكن من الجماعة إلّا أن أمسكوه وكلّفوا الولد أن يطعنه ، فما كاد يفعل إلّا بعد أمر ما ، وعندما انتهى من العمل . . خرق وعقر ، فاحتملوه حتّى أوصلوه إلى أبيه في